الاثنين، 29 يوليو، 2013

بين حلاوة النصر ومرارة الهزيمة

::
أصبحت قراءة تغريدات طيور الدعوة إلى الوهم والخرافة عادة عندي هذه الأيام أمارسها طوال اليوم، بدأت منذ انهيار التسلط الأخونجي على الساحة السياسية في مصر. فالإطلالة على مايعصف في رؤوس هذه الشريحة النخبوية المؤمنة التي تمثل الفكر التطلعي الجماعي لأمة محمد، أو على الأقل أغلبيتها، والتي كانت بدورها تراقب بأمل وطموح نجاح التجربة الإسلامية في مصر كبداية لقيادة سياسية/اقتصادية كانت ستهيمن على العالم، تغمرني بشعور دنو النصر للفكر العقلاني الناقد والهزيمة النهائية للعقلية الرجعية المتوهمة الجامدة.

لست محلل سياسي، ولا أتابع عن كثب الأحداث السياسية الجارية في المنطقة أصلاً، فمعلوماتي عن الأحداث لا تتعدى مستوى معلومات إنسان الشارع. ولكن ليس هناك حاجة للتوغل بأي عمق في أغوار مجلدات البحوث السياسية لإدراك تداعيات التجربة السلطوية الكارثية التي مرت بها مصر خلال السنة الماضية والتي أدت إلى تدفق ملايين المواطنين إلى الشوارع وتدخل الجيش الذي أنهاها في غضون ساعات قليلة. والفقرات القادمة من هذا البوست ماهي إلا خواطر تنتابني حول مايجري حالياً، مبنية على ملاحظاتي وفهمي عما يحدث إقليمياً ودولياً، وليست ببحث سياسي بأي شكل من أشكاله. 

كان هذا رفض هائل وحاسم، وهزيمة نكراء بكل معنى الكلمة، وهدم شامل لحلم إحياء رفات الخلافة الإسلامية الغابرة والمندثرة لتنصيبها على كرسي السلطة. وهو لم يكن هدم لحلم الخلافة فحسب، بل أيضاً هدم للإسلام السياسي الذي يمثل الحزب الإخونجي إوج قوته. وبسقوط الإسلام السياسي، فالإسلام نفسه كدعوة قد أصيب برأيي في مقتل. فما هي الدعوة الإسلامية الآن بدون أي دعائم سياسية تسندها لتحقيق أهدافها في الإنتشار وتنفيذ شرائعها المفروضة على البشر، ليس إقليمياً فقط بل دولياً؟ فبدون قوائم ودعائم سياسية، وربما إلى حد ما عسكرية أيضاً، وقيادة شرعية تؤثر على القرار الدولي وتفرض رأيها عليه، فالدعوة الإسلامية لا تغدو عن كونها مجرد أحكام وشرائع شخصية، وطقوس ومراسيم وترانيم روتنية رتيبة مملة يمارسها المؤمن ميكانيكياً في دائرة محيطه ويرددها ببغائياً في يومه. هي دعوة توقفت على حدود لا تتعدى عن كونها مجرد أعراف وتقاليد مجتمعية قديمة مصبوغة بصبغة قدسية، فقط لا غير.

فعندما أقرأ تغريدات وخواطر بعض المفكرين الإسلاميين من أمثال طارق السويدان ومحمد العوضي حول سقوط حكم الأخوان المسلمين في مصر، والتي لا تتعدى في جوهرها التذمر والشجب، والإبتهال والتذلل لكيان وهمي خالي الفعالية تماماً إلتماساً لنصره، أتسائل عما إذا كانت درجة الشك، التي تنتاب كل مؤمن مسلم وغيره من المتدينيين، قد ارتفعت الآن عندهم إلى حد الوعي والإدراك الذي يمهد ويسهل إزاحة ستارة الوهم لينكشف لهم مسرح حقيقة الحياة وواقعها. 

فأي دليل آخر سيحتاجه المؤمن أقوى من مجرد تساؤل يوصله إلى إدراك أن فشل رسالة تدعو البشرية بأجمعها إلى اتباع أسلوب محدد في التفكير والسلوك، وأستغرق نشرها أكثر من 14 قرن، ولم يعتنقها سوى أقل من ربع سكان العالم طوال تلك الفترة، ولم تنجح في اعتلاء السلطة كما كان متوقع لها، وهاهي اليوم تسقط قياداتها بعد ثمانين سنة من التعبأة والإستعداد مثخنة بجراح بضعة بنادق قليلة؟ أي دليل آخر سيحتاجه المؤمن المفكر ليدرك أنه لايمكن لهذه الرسالة بأن تكون صادرة من رب مهيمن على الكون. لا بد أن هذا المؤمن سيدرك الآن أن هذه فكرة لا تتناسب أو تنسجم مع مشيئة وقدرة ربوبية.

تداعيات سقوط الإسلام السياسي في مصر لا تنحصر في إطار سياسي فقط، بل لا بد أن يتغلغل تأثيرها في النفسية الدينية أيضاً. فعندما يثور قطاع هائل من المجتمع الإسلامي على أكبر وأقوى تنظيم سياسي إسلامي سلطوي على الكرة الأرضية، يستهدف نشر فكره من منصة السلطة، وتكون هذه الثورة قد شملت مواطنين قاموا ضده من داخل قلعته ومسقط رأسه (الإسماعيلية، منشأ ومركز الأخوان المسلمين، أنظر هذا المقال في البي بي سي هـنـا)، وأن هذه الثورة قد قامت في مناخ تحول وتطور فكري واجتماعي وسياسي عالمي متمثل في زيادة ملحوظة وحثيثة في نسبة الإلحاد واللاأدرية والعلمانية، ستدرك أن الإسلام كدعوة وليس كسياسة فقط قد دخل في أزمة ربما ستلوح بنهايته. هذه صفعة شديدة ستوقظ المؤمن المفكر من سباته وتحثه على إعادة النظر في صحة ومصادقية قناعاته ومفاهيمه.

يقدر عدد الملحدين واللادينيين في مصر بحوالي المليون، وتخميني أنه لو جرى استفتاء اليوم، بعد الأحداث الأخيرة، حول عددهم الآن سوف تجدوا أن أعدادهم قد ازدادت بمعدلات أكبر بكثير من هذا التقدير. واتمنى أن يحصل استفتاء كهذا قريباً هناك ليمدنا بصورة عما يجري من تغيرات عقائدية فكرية بعد هذه الأحداث.

إنما سوف أطرح بوست آخر قريباً حول استفتاء عن نسبة الإلحاد في دولة خليجية، يدعم تخميني هذا.

* * * * * * * * *

هناك تعليقان (2):

Godel Gauss يقول...

أهلا صديقي بصيص، هل نقول مرورة أو مرارة أم كلاهما صحيح؟... بالنسبة لوقع النكسة الإخوانية على رأي رجل الشارع المسلم و قناعاته، فأنا أرى أنها لن تكون ذات تأثير عميق، فالمسلم العادي ليس متسيسا و لا يقرن بالضرورة الإسلام بالتمكين السياسي، فقط نخبة من المسلمين تعتقد يقينا و تطبيقا بالإيديولوجية الإخوانية على نهج حسن البنا... المسلم العادي تنحصر نظرته للإسلام في مجموعة العبادات و العقائد و التخاريف المتخلفة و هذه هي الطامة لأن هذا النوع من القناعات الرجعية المعيق لكل خطوة تقدمية نحو العلم و الحضارة و التقدم، مترسخ بشكل يستعصي إصلاح الوضع معه أكثر بكثير من إيديولوجية و تخاريف الإخوان

م - د مدى الحياة يقول...

ان سقوط حكم الأخوان المسلمين في مصر او غيرها ليس بالمشكلة او نهاية الأسلام ! طالمآ انهم مجرد اطراف لحيوان السمندل ! ، كلما قطع طرف فيحل محله آخر ! ، فهم دائمآ يهولوا من مصابهم وبأن الأخوان المسلمين قد خدعوهم بأسلامهم الغير حقيقي ! وبأنهم من خرب سمعة الأسلام والمسلمين ! وانه لاينبغي علينا ان نفقد ثقتنا بالأسلام والمسلمين مهما حدث !!!! ، وهي احدى الوسائل للم الشمل ومحاولة انقاذ مايمكن انقاذه قبل ان يقع الفأس على رؤسهم ! ويبصر العميان نور الحقيقة ويتجهوا إلى الألحاد حيث هي الحقيقة والنور والمستقبل الوحيد الذي يضيء دربهم ، والذي لم يبصر نور الألحاد الآن فمرده سوف يبصره غدآ ، إذ انه لايمكنك خداع الناس كل زمان ومكان ! وبعدها سوف يكتشف كم هو مغفل ومخدوع بالدين وشعاراته وانه قد جرى وراء السراب دون ان يتصور ذلك او يخطر على باله ! ، ومن يقول ان الأسلام الحقيقي آتي ! ، فهو مجرد شكل من اشكال الهذيان الجماعي بدليل ان الألحاد واللادينية قد ازدادت وبشكل ملحوظ في خلال السنوات العشرون الأخيرة وحتى في اكثر الدول الأسلامية القمعية المتشددة ! ، وهم في زيادة وتسارع مستمر مهما انكر او نفى المتدينون ذلك ! ، ومعنى ذلك إذا لم ينتشر الأسلام كما يجب منذ 1400 عام وحتى الآن ! ، فكيف سوف ينتشر في المستقبل حيث التطور والعلم والتكنولوجيا ونبذ الخرافات وفي الوقت الذي نشهد فيه تزايد موجة الألحاد والادينية ! والذي هو مجرد جبل جليد ويزداد حجمه بأستمرار وعلى حساب جميع انواع الأديان قاطبة ! .