الخميس، 28 فبراير، 2013

قضية إنفصام الشخصية الربوبية

::
إحدى المشاهدات الكليشيهية الروتينية التي لم تتوقف إلى اليوم من إثارة دهشتي وحيرتي وطبع إبتسامة ساخرة على شفتي كلما سمعتها، هي عندما أسمع إنسان أكاديمي أو مفكر يصف بعفوية وقناعة (ظاهرة على الأقل) محمد بأنه "النبي الكريم" أو "رسول الله". ومضمون صفة النبوة التي يؤمن بها ذلك الإنسان للغرابة البالغة هو، كما يحتم الإيمان بتلك العقيدة، أن محمد وسيط تم اختياره من قبل كيان ميتافيزيقي خارق لاداء هدف ذروي، وهو توصيل رسالة مصيرية من ذلك الكيان إلى البشر.

فكرة من الصعب تصور أن العقل الناضج يصدقها: لإيصال بيانات مصيرية تمس الحاضر والمستقبل الأزلي لكل فرد على وجه هذه الأرض، يرسل ذلك الكيان الخارق لهم إنسان برسالة شفهية!!!! ياسلام على الإفشنسي.

إنما في الحقيقة، هناك فكرتين حول الخلق المتعمد المستهدف (مقابل العشوائية والصدفة)، تفصلهما فجوة هائلة، لم أصادف أحد إلى اليوم نجح في تشييد جسر بينهما. فكرة وجود كيان خارق خلق الكون ومن فيه، وفكرة أن هذا الكيان الخارق هو نفس الإله الذي تنسب إليه الديانات الإبراهيمية. الفكرتان منفصلتان تماماً.

الفكرة الأولى تدور حول وجود قوة ميتافيزيقية أو حتى ربما طبيعية، ربما واعية أو ربما ليست واعية بالمفهوم البشري، وليس من المهم معرفة ماهيتها، إنما يعزى إليها خلق الكون بقوانينه ومكوناته، وتتوقف مهمتها عند هذا الحد. فهذه الفكرة لاتمتد إلى تدخل هذه القوة الجبارة في عمل الكون نفسه أو في سلوكيات سكانه، بل تحصر مهمتها على خلق الوجود ووضع قوانينه فقط، ثم تركه ليجري وفقاً لهذه القوانين.

أما الفكرة الثانية، فهذه تختلف جذرياً، وإن بدى هناك تشابه أو تطابق بينها وبين الأولى، فهذا التشابه زائف. هذه الفكرة تزعم بوجود كيان ميتافيزيقي خارق، تعزي إليه خلق الكون، ولكنها تلبسه طبيعة بشرية محظة. فهو يتواصل مع الناس ويتدخل في حياتهم، ويتفاعل معهم بنفس أحاسيسهم، فيغضب ويفرح ويعاقب ويكافئ، وله مرتبة أيضاً بينهم، مرتبة إمبراطورية بعرش وبلاط وحاشية وجنود ومراسلين، ويستخدم جميع الأساليب البشرية في التعامل مع خلقه، فهو تارة يتفاوض ويعقد هدنات معهم وتارة أخرى يدخل في حروب ومعارك ضدهم، ويحث أتباعه على الإنصياع له وتلبية أوامره، بالضبط كما يفعل القادة البشر في الأزمن الغابرة (ولايزال بعضهم إلى اليوم). فالفكرة الثانية ماهي إلا تجسيد بشري للقوة الخالقة، ومن الواضح أن هناك فاصل كبير بين هذه الفكرة والفكرة السابقة.

لا أستغرب من أن عوام الناس تخلط الفكرتين، ولكني أتوقع من الطبقة المثقفة المفكرة أنها تعريفياً قد حققت درجة أعلى من معدل إنسان الشارع في مستوى تقليب الأمور وتقييمها تمكنها من رؤية الفارق، والحقيقة أن نسبة كبيرة من الشريحة المثقفة في المجتمعات المنفتحة تتمتع بهذه الرؤية الفاصلة بين الكيانين، وهذه حقيقة تدعمها الكثير من البحوث كما أشرت لها في الكثير من البوستات السابقة. إنما تبقى هناك نسبة مخيفة من المثقفين في مجتمعاتنا الإسلامية لاتزال تعاني من قصور في هذه الرؤية بالذات. فهل الفكرتين حقاً عند هذه النسبة تحيطهما ضبابية لاتمكن بعض المفكرين والمثقفين من الفصل بينهما؟

هل من الصعوبة التمييز أن الرب الذي وضع لكم الغلاف الجوي بغازاته وانعكاساته الزرقاء (الناتجة عن التفاوت في طول الموجات الإشعاعية)، لايمكن أن يكون نفس الرب الذي يهين عقولكم بهذا الهراء: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج (ق - 6)، الله الذي رفع السماء بغير عمد ترونها (الرعد - 2)، وجعلنا السماء سقفاً (الأنبياء - 32).

هل من الصعوبة التمييز أن الرب الذي خلق الكون ولم يضع في مساحاته المذهلة سوى فراغ شاسع بارد، لايمكن أن يكون نفس الرب الذي يطلب منكم تصديق هذه الكذبة الطفولية: جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع (فاطر - 1)

هل من الصعوبة التمييز أن الرب الذي خلق الألكترون وحدد حجمه بدقة 1/1836 من حجم البروتون، ثم جعله يدور في مسار حول النواة ببعد يعادل 4 كيلومترات لو كان حجم النواة 10 سنتمترات لكي تتوازن قوى الوجود، لايمكن أن يكون نفس الرب الذي لجأ إلى المفاوضات وعقد الهدن وقطع الطريق والحروب والغزوات، وإلى اليوم لم ينجح في توصيل رسالته إلى خلقه؟

هل من المعقول يامثقفين المسلمين، أن الرب الأول هو نفس الرب الثاني؟

لا يمكن تفنيد الفكرة الأولى، طالما الرب الذي تشير إليه لايتدخل في أمور الوجود، فتبقى قائمة رغم أن تقدم العلم والمعرفة ليس بحاجة لها. أما الفكرة الثانية فأنا في حيرة ودهشة من أن هؤلاء الناس لاتزال تصدقها.
 
* * * * * * * * * * *
  

الخميس، 21 فبراير، 2013

لوح الرب مكتوب بالطباشير

::
محور هذا الطرح أثاره تعليق أحد الزوار على البوست السابق، أود أن أتناول فيه باقتضاب إحدى المفاهيم الرئيسية للديانة الإسلامية. ورغم أن هذا المحور قد أشبع بحثاً خلال التاريخ، إلاّ أني لا أرى مانع من الإدلاء بدلوي فيه، على الأقل لزيادة معلومات من لم يصادفه من قبل.

من مميزات المفاهيم الدينية التي تكشف ركاكة مصنوعيتها البشرية المعرضة للتلف السريع، هي قابليتها للتفكك والتفتت تحت أقل ضغط من النقد والتمحيص. هذا الضعف المزمن في قوامها، يستلزم صيانة متواصلة لاتنتهي من مراوغات وتملص ولوي وعجن لترقيعه وتضميده. خذوا مثلاً مفهوم اللوح المحفوظ، الذي ذكرته بعبور سريع في البوست السابق.

على حسب فهمي لهذه الفكرة، الله خلق لوح (ربما لأنه لا يثق بذاكرته) وكتب فيه مصائر البشر المستقبلية قبل أن يخلقهم. فبناءً على هذا المفهوم، فلنتخيل هذا السيناريو الإفتراضي المدون في هذا اللوح المحفوظ:

محمود سوف يتخرج من جامعة الكويت في سن الـ 21، ويتعين بعدها بسنة كرئيس لقسم مكافحة الواسطة في وزارة مكافحة الفساد الكويتية (دعونا نحلم شوية)، ثم يتزوج بعد ذلك بسنتين من زميلته الجامعية الجميلة حورية بنت رجل الأعمال المشهور الملياردير كريم بن سخي الهامور، ويعيش حياة قصيرة، إنما هنيئة ورغدة إلى أن تأتي وفاته مبكراً في سن الـ 32 بتأثير مرض فتاك.

فالنفترض الآن، أن محمود يصاب بسرطان في سن الـ 31 لم ينفع معه أي علاج، ويخبره الأخصائيون في أفضل المستشفيات الغربية بأن المرض قد انتشر في جسمه وليس له أي أمل بالعلاج، ولن يتبقى له في الحياة أكثر من سنة. ولنفترض أن محمود قد باشر بالدعاء بعد سماع هذا الخبر الصاعق، متوسلاً إلى الله ومتضرعاً إليه لشفائه عملاً بآية أدعوني أستجب لكم من سورة غافر.

هنا تظهر الركاكة والتناقض واللامعقولية في المفاهيم الدينية. حيث أن الله قد كتب له في اللوح المحفوظ بأنه سوف يتوفى في سن الـ 32، كما هو محدد لجميع البشر في هذا اللوح، أنهم سوف يموتون في وقت ما، وهو الوقت الذي حدده الله لهم، فماذا سوف تكون نتائج الدعاء الذي يطلب الله من خلقه العمل به؟

أحد إحتمالين، إما أن الله سوف يتجاهل الدعاء، وتظل الأحداث تجري كما هي مدونة في اللوح المحفوظ بدون أي تغيير، أي أن محمود سوف يموت في سن الـ 32 مهما بذل من جهد في توسله وتضرعه ودعائه. وإما أن الله سوف يتجاهل مادونه في لوحه المحفوظ، ويشفى محمود، ويناقض بذلك تعريف حفظ اللوح من أي عبث أو تغيير، ويغير بذلك ليس فقط مجرى حياة محمود، إنما مجرى التاريخ بأكمله، فربما لو عاش محمود سنة إضافية، فسوف يأتيه ولد يهاجر بدوره إلى أمريكا ويصبح رئيساً لها، ويؤثر من خلال سياسته في مصائر 7 مليار نسمة، في حين لو مات محمود في السنة المخصصة له في اللوح المحفوظ، لن يحدث ذلك.

إذا اختار الله الإحتمال الأول، أي تجاهل الدعاء، بسبب أنه قد قرر مصير محمود مسبقاً ودونه في كتابه "المحفوظ"، فذلك يعني أن حثه لخلقه على دعائه والإبتهال له هو كذبة فاحشة. وإن اختار الإحتمال الثاني وغير تاريخ وفاة محمود، كمسح الطباشير من اللوح، فمفهوم تدوين مصائر البشر المستقبلية تفقد أي معنى، فكيف تكون مصائر البشر محددة ومدونة، إذا كانت تلك المصائر في نفس الوقت خاضعة للتغيير حسب متغيرات سلوكياتهم في المستقبل. هذه مفارقة منطقية صارخة.

مفهوم حرية الخيار التي تستند عليها مفاهيم قاعدية هامة كالدعاء، والكفر والإيمان، والثواب والعقاب، تتعارض مع فكرة تحديد المصير مسبقاً. فإما أن الإنسان حر في اختياره، أي في وقت من حياته يستطيع أن يحدد مصيره بنفسه، وبذلك ينطبق عليه مفهوم الثواب والعقاب، لأنه سيختار هذا الطريق أو ذاك، أو أن مصيره محدد ومقفول مسبقاً، كما يعكسه مفهوم اللوح المحفوظ. فمفهوم الجنة والنار في هذه الحالة، كغيره من المفاهيم والأفكار الدينية الكثيرة الأخرى، لا يستحق إلا الرمي في الزبالة، مكانها المناسب.

إنما لاشك بأن قرون من النبش والتنقيب عن تبريرات وترقيعات من قبل المعتذرين للدين، سوف يزود بعض القراء المتدينين ببعض الذخيرة للرد على هذا الإشكال. وتحسباً لذلك، أود أن أطرح إشكال آخر مرتبط بالموضوع، لأرى كيف يرد عليه هؤلاء القراء:

فكرة تدوين مصائر البشر، لا تناقض مفهوم حرية الخيار فحسب، بل الأهم من ذلك أنها تناقض مفهوم العلم الكامل، أحد الصفات الربوبية. فمعرفة الرب لماسوف يحدث في المستقبل، يعني بالضرورة أن الرب لا يستطيع تغييره (لأنه سوف يحدث) وهذا يطعن في قدرة الرب. أي أن مفهوم القدرة الكاملة يتعارض مع مفهوم العلم الكامل. فكروا ملياً في هذا التناقض قبل التسرع بالرد.
 
* * * * * * * * * *
 


الثلاثاء، 19 فبراير، 2013

الدعاء، تصحيح لأخطاء السماء

::
أرسل لي أخ/ت معلق/ة غير معرف/ة في هذا البوست رابط لـ هذا الخبر الذي يتناول قضية حرق مصاحف، قام بها مجهولون في عدة مساجد في محافظة حفر الباطن بالسعودية. واتضح فيما بعد أن الجاني، بعدما تم ضبطه، يعاني من اضطرابات نفسية دفعته إلى اقتراف هذا العمل.
 
إنما المثير ليس بالخبر ذاته، رغم أني أرى فيه بعض  اللمحات من الإثارة الكوميدية، إنما بتعليقات القراء عليه، وهذه عينة منها:
 
"ياليت إني مسؤول ... وقسماً بالله العلي العظيم ان (( أتفنن في تعذيبهم ))"
"اشك في اذناب ايران المجوس"
"شيعة والله اعلم"
"الأقرب والله أعلم أنهم من الديانة الهندوسية ..."
" ... الحركة مايسويها إلا الأعراب البدو لأنهم منافقين حسب وصفهم في القرآن ..."
"اثيوبيين وابصم بالعشرة"
 
تمثل إنعاكاسات باهرة لما يجول بداخل رأس المؤمن المسلم، من نزعات إنتقامية إلى أحقاد طائفية إلى ميول عنصرية، يرجع فضل نموها وتغلغلها في عقليته إلى تأثير تربية وثقافة محيطه المتدين عليه.
 
إنما التعليق الذي دفعني لكتابة هذا البوست، للأسف أجده الآن قد اختفى من جدول التعليقات في الجريدة لسبب لا أفهمه، رغم أن مثله يطلق بشكل روتيني من المنابر في خطب أغلب المساجد، وهو عبارة عن دعاء وابتهال إلى الله يسير على هذه الشاكلة:
 
اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولاتبقي منهم أحدا. اللهم احرق بيوتهم وشتت شملهم ويتم أطفالهم ورمل نسائهم وزلزل الأرض تحت أقدامهم .... إلى آخره من الرغبات المتعطشة في إلحاق الألم والمعاناة على الآخرين. ولكن بجانب هذه الرغبة العدائية، لنضع مفهوم الدعاء كوسيلة لتحقيق رغبات البشر، في سياق الصفات الربوبية، وبالذات مقابل الحكمة الإلهية.
 
عندما يرفع المؤمن يديه إلى السماء بالدعاء، ماذا يريد؟ يريد بالطبع تغيير مجرى الطبيعة والتسلسل الحدوثي الذي كتبه الرب وأقره وسجله في لوحه المحفوظ. أليس كذلك؟ فالنتناول هذه النقطة ببعض التفاصيل.
 
يأتي الرب باللوح المحفوظ ويسجل فيه قراراته المسبقة التي تحدد مصائر البشر المستقبلية والحياة بشكل عام. نفهم من ذلك إذاً أن هذه القرارات، كونها ربوبية، لابد أن تكون ذروة الكمال في حكمة صنع القرار لتحديد المصير. فعندما يصاب المؤمن بداء مميت مثلاً، يتاح له خياران، إما أن يدعو ربه بالشفاء، فيتدخل الرب ويحقق دعائه بمنحه الشفاء، وإما أن يمتنع عن الدعاء فيتركه ربه لبراثن مرضه، فيموت. فالدعاء إذاً يغيّر مجرى الأحداث، وهو الهدف من وجوده!!
 
فكرة الدعاء تكشف درجة هزالة الفكر الديني وتناقضه، لأن استجابة الرب للدعاء، يعني بالضرورة أن قرار الرب المسبق الكامل في حكمته، خاضع لرغبات الإنسان الناقص وأهوائه، سواء كان ذلك الإنسان يريد الشفاء من مرض أو النجاح في تجارة أو إلحاق الآلام بغيره، فهو بدعائه يريد تغيير القسمة المسبقة التي خصصها ربه له. وليس هذا فحسب، بل الأدهى من ذلك أنه عندما يحدد المؤمن نوعية الفعل الذي يريد من ربه إنزاله، كطلبه بحرق بيت عدوه وتيتيم أطفاله وترميل نسائه، فهو يرشد الرب بدقة إلى الفعل الذي يراه المؤمن الأنسب للتعامل مع الآخرين، مما يعني أن قرارات الرب السابقة تجاه المدعو عليه لم تكن دقيقة أو صالحة أصلاً. واستجابة الرب لأدعية خلقه، هو بمثابة اعتراف ضمني منه بأن رغباتهم المتمثلة بالدعاء هي الأصلح لهم من قراراته المسبقة.
 
مما يعني أن الرب قد أخفق في التخطيط المسبق السليم للمصير الأصلح، ليس لذلك الإنسان فقط إنما للآخرين أيضاً. بمعنى أن الله قد فشل في تخصيص المصير المناسب للبشر بحيث أنه احتاج لاحقاً لتغييره. 
 
وإذا قال أحد أن الرب لا يستجيب بالضرورة للدعاء، فهذا لا يحل الإشكال، لأن الرب يستجيب للبعض على الأقل. وإن قال أحد أن الرب لايستجيب لأحد بتاتاً، لأن مصير البشر محسوم ومختوم، فهذا التبرير يلغي فكرة الدعاء من أساسها، وتصبح آية أدعوني أستجب لكم كذبة فاحشة (ولا يوجد جديد هنا).
 
إنما الحقيقة العارية للدعاء، والتي يرفض المؤمن رؤيتها رغم فشلها الفاضح، هي أن التوسل والإبتهال لكيان خارق، ماهي إلا آلية سايكولوجية رخيصة لجلب الراحة والتنفيس، وإثارة الآمال الزائفة في نفوس القطيع لهدف إبقائهم في الحضيرة.
 
* * * * * * * * * *
 


الاثنين، 18 فبراير، 2013

أسهل لعايض الحصول على الجنة، حتى لو لم تكن موجودة

::
تمر لجنة منح جوائز نوبل في مقرها في السويد في حالة إستنفار وتأزم هذه الأيام، في محاولة يائسة منها لتقرير ما إذا كان الأفضل منح جائزة نوبل للسلام هذه السنة للمرشح الثاني من لائحة مستحقيها وهو غايتانو راينا رئيس عصابة مافيا الكوسا نوسترا في صقلية
 
 
 
أو للمرشح الثالث ياماغوشي غومي رئيس عصابة الياكوزا اليابانية
 
 
 
أو للمرشح الرابع وان كيوك كوي رئيس عصابة التراياد الصينية
 


بعدما صرح المرشح الأول المؤهل لاستلامها وهو الشيخ عايض القرني، رئيس إحدى العصابات الوهابية في السعودية، رفضه لقبول هذه الجائزة السلمية فيما لو عرضت عليه
 
 
 
وقد تبين لاحقاً، من مصدر موثوق داخل لجنة نوبل، أن أعضاء تلك اللجنة الموقرة ينوون الإصطفاف في طابور خلف قداسة الشيخ القرني لكي يقبلوا مؤخرته واحد واحد على أمل أن يعدل عن قراره ويتكرم عليهم بإعادة إدراجه على رأس قائمة المشرحين. 
 
الخبر: إضغط  هـنـا 

* * * * * * * * * *
 

السبت، 16 فبراير، 2013

مريض؟ ربك يزيد مرضك

::
هذه الدعوة ليست مني، ولا أحلم قط أن أتمناها لأحد. بل هي صادرة من رب الرحمة والعطف والشفاء. هاهي موجودة في سورة البقرة بكل وضوح:

في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا (البقرة - 10)

منهج التفكير والمنطق الذي يسير على سياقه هذا البيان، يماثل هذه النوايا والأفعال:

رجلك مكسورة؟ سوف أهشمها أكثر
أنت مصاب بالسرطان في معدتك؟ سوف أجعله ينتشر في جسدك كله
تعاني من آلام نفسية؟ سوف أضخم عليك معاناتك
فقدت مورد عيشتك؟ سوف أزيد في شدة فقرك

الآية تشير إلى وجود مشكلة عند بعض البشر، تصنفها بالمرض، والمرض يحتاج إلى شفاء وليس إلى تفاقم وتدهور. ولكن التفاعل الربوبي الذي تظهره الآية تجاه المريض، صاحب المشكلة، هو عكس ما يحتاجه المريض وهو المعالجة. فصاحب الآية فضل التصعيد والتأزم والتعقيد للتعامل مع المشكلة.

هذا التفاعل العدائي السلبي في مواجهة المشاكل هو مانتوقعه من شخص عصبي، إنفعالي، إنتقامي، ضحل التفكير، يجنح بتهور وبلا اكتراث لزيادة معاناة من يخالفه ويرفض الإمتثال له. هو أسلوب إستبدادي، لامبالي، وسطحي، لايهتم في سبر أغوار المشكلة التي تواجهه لكي يتعرف على جذورها ويعالجها من أساسها، بل يفضل النظر إلى الأمور على سطحيتها، والتعامل معها كما تبدو على ظاهرها.

هذا أسلوب لا يعكس الكمال في العلم والقدرة، ولكنه قطعاً يعكس القصور البشري في النظر إلى الأمور والتعامل معها، والذي يكون في العادة عاطفي وانفعالي، بالضبط كما تظهره الآية.

الرب الذي تتبجح بكماله نفس هذه النصوص، هو رب يفترض به العلم الشامل بمخلوقاته، أي معرفته لجميع العوامل المحيطية والنفسية والبايولوجية التي تؤثر في تفكير وسلوكيات البشر ودرجة استعدادهم لتقبل الأفكار الجديدة. فحين يعرض عليهم تبني مفاهيم وأفكار تتطلب تغيير جذري في طباعهم وعاداتهم ونمط تفكيرهم، نتوقع من ذلك الرب العالم الفاهم أن يضع بعين الإعتبار هذه العوامل القاعدية القوية، ويعالجها من جذورها، لا أن يكتفي بتسطيحها ثم يلجأ إلى أسلوب البلطجة والتهديد والعنف في فرض رغباته على البشر:

رجلك مكسورة؟ إما أن تطعني أو أزيد كسرها.
رأسك مصدع؟ إمتثل لأوامري أو أبطّه.
فقدت قوت يومك، أنت وزوجتك وأطفالك جياع ؟ إسمعني أو أهدم بيتكم على رؤوسكم أيضاً.

ياسلام على الحكمة الهتلرية، نفس أسلوب الطغاة الذين تمتلأ بهم مزابل التاريخ، تفضحه آية أخرى تفوح بنتانة الروائح البشرية؟
 
 
والشكر موصول للصديق أريدو في الفيسبوك على إثارة الفكرة
 
* * * * * * * * * *
 


الخميس، 14 فبراير، 2013

لا توجد صباح بعد الموت

::

لا أعتقد أن الكثير يحب الفنانة اللبنانية صباح، فيبدو أني أنتمي إلى الأقلية المعجبة بها، أو بتعبير أدق بشخصيتها المثابرة حتى في الشيخوخة.

لفت نظري اليوم خبر عنها، والأرجح أنه مجرد إشاعة، بأنها قد توفت، مما دفعني إلى البحث عن تأكيد أو نفي للخبر. لم أجد مصدر موثق يؤكد أو ينفي الإشاعة، ولكني وقعت خلال بحثي على هذا الخبر الذي ينقل عنها أمنية أجدها غريبة للغاية:

أنها تدرك بأن نهايتها باتت وشيكة، وأنها تنتظر الموت وترغب به منذ فترة لتعرف ماذا يوجد بعده!!!

ترغب بالموت لكي تعرف ماذا يوجد بعده؟ أخ أخ، وكنت أظن أن صباح ذكية، هذه إشارة على عبط مستحكم. أعتقد أن أغلبكم يعرف قصة الحكم العبيط الذي كسر جرتين من العسل لكي يحلف بهما قائلاً: صب الله دمي مثل هذا العسل إن لم تكونا أحمقين. صباح تخطت مستوى هذا الحمق في تحقيق الخسارة إلى ماهو أبعد منه، بتمني الموت لتعرف ماذا بعده. لأن الموت هو أكبر خسارة سوف تلحق بالإنسان، على الأقل من المنظور الإلحادي، والتعجل بقدومه بدون سبب قاهر، كالمرض، هو برأيي ذروة الجهل والبلاهة.

فماذا يوجد بعد الموت إذاً؟

إلى حد الآن لم يرجع لنا رحالة ليبلغنا بما استكشف هناك، فالتذكرة ون وي فقط. فربما جنة ونار، أو ربما دورة أخرى من الحياة بتقمص روح الميت لمولود جديد، إذا كان محظوظ، أو معزة أو دودة إذا كانت الآلهة محششة ذاك اليوم، أو ربما الإنتقال إلى كون آخر، أو بعد آخر، أو ربما البقاء في البيت على هيئة شبح وتخويف العائلة ... والأوهام الحلمية، المسماة بالمعتقدات الدينية، في هذا الشأن كثيرة. إنما الواقع، من المنظور العلمي التجريبي، يشير إلى إتجاه معاكس تماماً لكل هذه الأحلام. فالواقع يشير إلى .... هممممم، أجد صعوبة في تلفظها ... إإإإإ .... إإإإإنننننننتهاء .... وعدم وفناء. أوفففف ... كلمات غثيثة كدت أن أغص بها.

فأمنية صباح ضمن هذا الواقع الرهيب هو في حقيقته أمنية لفنائها، ولكنها من الواضح أنها لاتدرك ذلك. آآآآه لو سألت بصيص. وهذا فيديوكليب لأحد أغانيها الكلاسيكية المفضلة لدي، عندما كانت سكس سيمبول نمبر ون:

 



 
* * * * * * * * * *


الأربعاء، 13 فبراير، 2013

أخ في بطن أخيه

::
إحدى الشواهد الواضحة الجلية التي تفضح بشرية العقيدة الدينية بلامعقولياتها الغفيرة ومفاهيمها الهزيلة، هي الأسلوب الملتوي المراوغ الذي يستخدمه الفقهاء والمفسرين وعلماء اللاهوت في محاولاتهم (وهي مجرد محاولات، لاغير) لتبرير وعقلنة الإشكالات المنطقية والعلمية والعينية العميقة التي يعج بها الفكر الديني.

وبالمقابل، الشواهد التي تدعم صحة التفاسير المناقضة، العلمية والمنطقية، تتسم ببساطتها وتبرز بتقبلها المفتوح للتجربة والفحص والتمحيص، بدون أي مراوغة أو تملص.

فعندما نرى هذه الحالة الخلقية المعروضة في الصورة أدناه، ومثلها كثير، ماذا سيكون تفسير الرؤية التي تتطلب وجود صفة الكمال في كل شيئ، وحب الجمال، والرحمة الربوبية اللامحدودة في الكيان السوبرماني الخالق؟ فلنسلك الطريق الملتوي، المتعرج، الطويل، الذي سوف يسلكه التفسير الديني في محاولته اليائسة لتكييف مثل هذه الحالات مع إحدى أهم الخصائص الربوبية، الرحمة، لنرى إلى أين يوصلنا، ثم نقارنه بتفسير مناهض.

التفسير الكلاسيكي المعهود هو أن مثل هذه الحالات التراجيدية هي إختبار للوالدين. إنما هذا التفسير يحاول الخروج من مأزق ليدخل نفسه في مأزق آخر، وهو الطعن في علم الرب الذي لايحتاج إلى اختبار عبيده لكسب المعرفة. والنتيجة أن هذا التفسير يحتاج لتفسير آخر يبرره. فالنعود إلى البداية ونحاول مرة أخرى:

التفسير الثاني هو أن هذه الحالة تعتبر عقاب للوالدين على ذنوبهما. ولكن هذا التفسير أيضاً يطعن في مفهوم آخر وهو ولاتزر وازرة وزر أخرى، ويطرح سؤال بديهي بسيط: وماذنب الطفلين حتى يعاني أحدهما من حمل نصف جسد أخوه الغير مكتمل في بطنه؟ والرد يتطلب تفسير لهذا التفسير أيضاً، مما سيرجعنا إلى البداية مرة أخرى لمحاولة جديدة:

الثالث هو، ربما لأن الله يحب هذه العائلة، وفقاً لحديث إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم (جزء من حديث صحيح رواه الترمذي). همممم، تفسير منسجم مع العقلية السماوية السادية الملتوية، ولايبدو أن هناك حاجة لتفسيره. ولكن تعالوا لننظر إلى التفسير العلمي المناهض لفكرة الرب.

أن الحالة ناتجة عن خطأ خلوي في تكوين التوأمين خلال فترة الحمل. وبس. بدون مراوغة أو تملص أو أي لف دوران.




* * * * * * * * * *
 

الجمعة، 8 فبراير، 2013

الجد ماقبل القرد

::
إحدى الحالات الطريفة التي أتعمد اثارتها كلما سنحت لي الفرصة، هي عرض صورة أحد أسلافنا القدماء (من هـنـا) على من يرفض قبول حقيقة تطورنا، لأراقب تعابير وجهه واستمع إلى نكات احتجاجاته. ردة الفعل في العادة، حتى لو كانت بالحنق الجاد وعبس الوجه، أجدها مسلية للغاية، لأن الناظر للصورة باشمئزاز، لايدرك أن هذا الحيوان الذي يحقره ويذمه هو سلفه الحقيقي، وليست تلك الشخصية الآدمية الملفقة.

وطبعاً الصور الموجودة في البوست المذكور هي صور لإسلافنا القردية، التي هي على الأقل قريبة بالشكل والهيئة منا. ولكن مارأيكم في الرجوع بضعة مليون سنة أخرى إلى الوراء لنرى صورة أحد الأسلاف الأبعد؟

لنذهب إلى السلف المشترك الأقدم، الذي انحدر منه الحوت والزرافة والأسد والخفاش والفيل والفأر والفقمة والحمار والمعزة وجميع الحيوانات الثديية المشيمية الأخرى ... من ضمنها الإنسان طبعاً.

إليكم صورة جدنا العظيم الذي عاش قبل 60 مليون سنة.

 
 

المصدر

* * * * * * * * * *
 

الخميس، 7 فبراير، 2013

من نماذج أخطاء السماء: الأي آي أس

::
تنتابني حالة من النشوة كلما صادفت ظاهرة واضحة أو دليل صلب يناقض بشدة الصفات الربوبية التي تقوم عليها قدسية الأديان ويساهم في كشف زيفها وبشريتها.

وهذا أحدها، أرسلت لي رابطه الزائرة الكريمة سوما في تعليق لها على هذا البوست. والرابط لفيديوكليب أنقله لكم أدناه، تتحدث فيه امرأة عن معاناتها من حالة جينية غريبة إسمها متلازمة نقص الأندروجين AIS، وتعني أن الخلايا لا تستطيع التفاعل مع هرمونات الأندروجين. ولكي تستوعبوا طبيعة هذه المشكلة وأبعادها على القدرة الربانية المزعومة، نحتاج إلى شرح مقتضب للعوامل الجينية المتعلقة بهذه الحالة.

لاشك أن أغلبكم يعرف أن الكروموزومات التي تحدد جنس الجنين، ما إذا كان ذكر أو أنثى، هما كروموسوم إكس x وكروموسوم واي y. فإذا كان الجنين يحمل كروموسومي xy فهو ذكر وإذا كان يحمل xx فهو أنثى، أي أن جميع الزوار الذكور الذين يقرأون هذا البوست يحملون كروموسومي xy في خلاياهم، وبمالمقابل، جميع الزوار الإناث يحملون كروموسومي xx. صح؟

لا، ليس بالضرورة. إذا كان أحدكم يعاني من نفس الحالة الجينية التي تعاني منها المرأة في الفيديوكليب، فجنسه لن يتحدد بسهولة، حتى بوجود الكروموسومات الصحيحة في خلاياه، وحتى لو بدى ذلك على أعضائه/ا التناسلية وباقي جسمه على الظاهر. لأن عدم قدرة الخلايا في التفاعل مع هرمونات الأندروجين، التي تلعب دور مصيري هام في تكوين الخصائص الذكورية خلال مرحلة نمو الجنين، يعني أن الأجهزة التناسلية بالخصوص لن تستطيع أن تتحول إلى أعضاء ذكرية كاملة، فيصبح المولود خليط من الأنثى والذكر، ويتأرجح بين الإثنين حسب شدة الحالة.

والمرأة المصابة بهذه الحالة في الفيديوكليب، تملك مهبل بدون رحم، وخصيتين بداخلها بدلاً من مبيضين. فهي جينياً رجل، xy، ولكنها ظاهرياً وداخلياً خليط من الإثنين.

فما السبب الكامن تحت هذه الحالة؟

السبب هو حدوث خطأ في التعليمات الجينية بسبب طفرة mutation، إما أن تكون مكتسبة خلال عملية الإنقسام الخلوي أو تكون موروثة، يتعطل بواسطتها الجين المختص بتحديد الجنس مما يسبب هذه المشكلة.

أرجو أن يكون هذا الشرح المبسط قد أوضح الصورة، تعالوا الآن لنضع هذه الظاهرة في سياق ديني مختصر. ماذا يعني هذا خلقياً؟

يعني أن قداسة عميد الجامعة السماوية، مصمم آدم وواضع أسسه الجينية، أراد أن يخلق ذكر في رحم أمه بواسطة هذه الآلية الربانية، فتلبخت العملية. ورغم أن المولود قد خرج إلى الدنيا ذكر بكل المعايير الجينية، كونه xy، إنما غلطة صغيرة حدثت في جين واحد من ضمن 20000 جين في خلاياه، لخبط التركيبة كلها، فأنتجت إنسان لاهو بذكر كامل ولا هو بأنثى كاملة.

 

 
 
 
مع وافر الشكر للأخت الكريمة سوما كيوتي على توفير الرابط.
 
 

الاثنين، 4 فبراير، 2013

حين تطير الخنازير

::
مالي دولة أفريقية فقيرة، يبلغ عدد سكانها حوالي 15 مليون نسمة، ونسبة المسلمين فيها حوالي 90%. أما دخل الفرد فيها لنصف عدد سكانها فلايتعدى الدولارين باليوم.

حدث انقلاب عسكري هناك في شهر مارس من العام الماضي، انتقلت السيطرة من خلاله إلى تنظيمات إسلامية مسلحة تركزت في الجزء الشمالي منها، ثم أخذت تنتشر في الجنوب لتسيطر على المدن الرئيسية فيها. هذا الوضع دفع الحكومة الفرنسية لأن تقوم بحملة عسكرية الشهر الماضي لاسترجاع الأراضي التي سقطت تحت السيطرة الإسلامية الجديدة، وإعادة تنصيب الحكومة المنفية. وقد نجحت القوات الفرنسية بمساهمة بعض الدول الأفريقية الأخرى في حملتها، واسترجعت قبل بضعة أيام كيدال، آخر مدينة تتحرر من قبضة الثوار الإسلاميين.

خلال مراقبتي لتطور الأوضاع هناك، شدت انتباهي ظاهرة أطرحها هنا كتساؤل:

نسبة المسلمين في مالي كبيرة، ومستوى المعيشة متدني للغاية، إذ يبلغ معدل الدخل اليومي لنصف السكان حوالي 1.25 دولار فقط، بمعنى أن شريحة كبيرة منهم هناك تعيش في فقر مدقع، بالإضافة إلى أن الحكومة المنفية كانت علمانية الصبغة تعكس علمانية الدستور. فعندما يبرز من هذه الأمة المسلمة ثوار مسلمين، يهدفون لتطبيق شرع الله وتفعيل أوامره، ونشر العدل والمساواة بينهم حسب تعاليمه وإرشاداته، ألا نتوقع من هؤلاء السكان تقديم العون والسند لأخوانهم الثوار المسلمين في مقاومة الغزاة المشركين؟

فلماذا يفر السكان إذاً من المناطق التي تقع في قبضة الإسلاميين، إخوانهم في الدين، ويستقبلوا بالتهليل والرقص والتصفيق، ورفع رايات العدو، الأعلام الفرنسية، عند وصول أعداء الله بجنودهم وأسلحتهم لقتل إخوانهم وأطفاء ثورتهم؟
 
 
لأنهم لا يريدون شريعة السماء البدائية، ولا يرغبون في تطبيق أحكامها الوحشية، بل يفرون من بيوتهم كلما طرقت هذه الشريعة "الغراء" أبوابهم، رغم أنهم مسلمون يعيشون في مجتمع يدين بالإسلام منذ تسعة قرون. فشدة فقرهم وكثرة حاجتهم وتدني مستوى التعليم والثقافة بينهم لم يمنعهم كل هذا من إدراك مخاطر بناء مجتمعهم، وإن كان فقير وبسيط، على منظومة قديمة وعنيفة وجامدة، ذاقوا مايكفي من طعمها الحقيقي عندما هيمنت عليهم لمجرد بضعة شهور، وبدأوا أتباعها والمنادين بها بتطبيقها عليهم في تلك الفترة القصيرة.
 
سكان مالي كانوا في وضع يؤهلهم من تقييم ما تذوقوه من أساليب النظام السماوي في معاملة البشر، والذي فرضه عليهم أخوانهم في الدين، لأنهم عاصروا بديل قبله، النظام المدني العلماني السابق الذي أسقطه الثوار، فلم يستحسنوا أطباق العدالة السماوية الجديدة التي فرضت عليهم بأسعارها الفاحشة التي تكلفهم أفدح الخسائر: ضياع أيديهم وأرجلهم ورؤوسهم، وحرياتهم وفرديتهم وإنسانيتهم. وتزرع في قلوبهم أسوء الغلل والمحاصيل: بذور الحقد والعداوة والبغضاء ضد كل من خالفهم.
 

لا أتصور لوهلة، أن هناك شعب في وقتنا هذا، يختار بمحض إرادته الحرة تبني وتطبيق منهج للحياة، أدق وصف له أنه رفات من محنطات العصور الغابرة. منظومة لا تملك آلية سياسية محددة وواضحة لإدارة شؤون دولة حديثة، ولا آلية محددة وواضحة لإدارة إقتصادها، وليس لها نموذج حديث ناجح يمكن الإقتداء به. بل بالعكس، جميع المنظمات السياسية التي وصلت إلى السلطة واختارت أن تسير على أي نمط من المنهج الإسلامي، لم تستمر وتبقى إلاّ باستخدام شتى أساليب القمع والعنف والإرهاب على مواطنيها.

الثيوقراطية ماتت وتحللت وانتهى دورها، إنما حالة الحلم السومبنابيوبيلي المزمن الذي يعيشه البعض، تدفعهم  لمحاولة رفع عظامها وما تبقى من رفاتها بالعصي ليجلسوها على الكرسي، غير مدركين أن روائحها النتنة التي لاتزعج من تعود على العيش بين قمامات الماضي مثلهم، تثير غثيان باقي العالم من حولهم وتدفعهم للتدخل لإزالتها وإعادتها إلى مكانها المناسب: تحت التراب. 

فرغم  حصول الإسلاميين على كمية كبيرة ونوعية متقدمة من العداد والسلاح المكتسب من ليبيا خلال الثورة، ورغم سيطرتهم التامة على أغلب المدن الرئيسية وجزء هائل من المنطقة، لم تواجه القوات الفرنسية وحلفائها من الدول الأفريقية المجاورة، الذين لا يتعدى عددهم الإجمالي عن 4000، أي مقاومة خلال المراحل الأخيرة من حملة التحرير. فجند الله على الأرض وحماة عقيدته ، فضلوا الهروب كالجرذان من الكفار ليحتموا منهم في مغارات وكهوف الجبال ...

وتتكبد السماء هزيمة أخرى أمام قوة وبئس أعدائها على الأرض، فمتى يأتي نصر الله وتسود رسالتها على هذه الحصوة التائهة في الكون؟

يأتي حين تطير فيها الخنازير when pigs fly (كما يقال في المثل الإنجليزي للتعبير عن إستحالة تحقيق الهدف المنشود).
 
* * * * * * * * * *
 

الجمعة، 1 فبراير، 2013

مصطفى يؤمن بالسعلو

::
أتذكر أن ابنة أختي البالغة من العمر في ذاك الوقت  7 أو 8 سنوات، ضحكت على أمها يوماً عندما حاولت تخويفها بـ السعلو، وردت عليها بكل عفوية وبرائة: "هيهيهي ... ماكو سعلو يمه، لاتجذبين (لاتكذبين)".

ولمن لم يسمع به من قبل، فالسعلو أو السعلوة، هو كائن خرافي مذكور في بعض الأدبيات والقصص العربية، يخوف الكبار به الأطفال في الدول الخليجية بالذات. إنما تصديق وجود هذه الكائنات القصصية الوهمية، التي لايخلو منها فولكلور أي مجتمع، لايقبله أحياناً حتى الأطفال. فحتى الصغار الذين لم يتعدوا العشر سنوات، يمتلكوا أحياناً قدراً وافياً من الوعي والإدراك يمكنهم من تقييم إمكانية تواجد هذه الكائنات، ورفضها إذا تخطت في نظرهم حدود الممكن.

باستثناء حالة واحدة، وهي عندما يرتبط السعلو، أو الطنطل أو حمارة الغايلة في الكويت  (وكلها مخلوقات وهمية)، بمصدر مقدس ينص على وجودها. ففي هذه الحالة، يصبح تصديقها واجب رباني يفرض على الجميع. وهنا تسقط جميع حدود المعقول، وتنفتح جميع أبواب البلاهة والعبط على مصراعيها لتستقبل أي فكرة خرقاء بلهاء يبصقها العقل البشري،  ليصبح تصديقها واجب ديني وتكذيبها كفر وارتداد.

فحين تزيح المجتمعات الأخرى المتحضرة خرافات ماضيها، من العنقاء إلى التنين إلى الترول، من أذهانها وتركنها إلى زاوية الميثلوجيا، تظل خرافة يأجوج ومأجوج حقيقة تسرح في أذهان المسلمين.

في هذه الحالة، إجلس واستمتع بمشاهدة استعراض الأفكار البهلوانية السيركسية التي يؤديها الملزمون بالتصديق، في محاولاتهم لتبرير وعقلنة المستحيل واللامعقول. كما يفعل "الأديب" مصطفى محمود في هذا الفيديوكليب القصير حين يرمي قوانين الجيولوجيا والفيزياء والأحياء، وملايين صور الساتلايت، ومنتوج آلاف الحملات الإستكشافية العلمية في الزبالة، في محاولة تأكيد وجود قوم السعلو (السعالوة) الذين يسميهم القرآن يأجوج ومأجوج في القطب الشمالي. 




مع وافر الشكر للصديق مؤمن على التنبيه.