الاثنين، 21 نوفمبر، 2011

نهاية مملكة النمل

::

عندما يأتيني الجرسون بقطعة من الكنافة النابلسية، موضوعة كالسبيكة المسكوبة على الصحن الأبيض اللماع، تبرق بإشعاعاتها الذهبية لتسلب الخلد قبل أن تدغدغ أفواه الجياع، أتناولها بتلذذ بطيئ ونشوة غامرة وأنا أنظر إلى صفوف قوافل النمل تدب تحت الجدار قربي محملة ببضائعها من فتات الرز والخبز والحلوى لتدخله في ثقب بيتها على زاوية من الحائط الإسمنتي القديم.

الكنافة هي ألذ الأكلات الحلوة لدي، أطلبها من مطعم شعبي صغير في منطقة حولي في الكويت، أتقن تحضيرها برأيي إلى درجة الكمال. فأجلس بالصيف لوحدي أو برفقة أصحابي في الهواء الطلق حول طاولاته بعيداً عن روائح الطهي النفاذة بالداخل حتى لايغطي مزيج تلك الروائح عبق الهيل والزعفران والقطر المنبثق من تلك السبيكة الشهية الغراء.

إرتبط تلذذي بالكنافة في تلك الفترة مع إستمتاعي بمشاهدة قافلة النمل هناك وهي تنقل فتات قوتها بطوابير عسكرية حثيثة منتظمة لتدخله في بيتها، يصاحب ذلك المنظر تسائل يتكرر: هل يتلذذ النمل بطعامه ياترى كما أتلذذ أنا بقطعة أكلي المفضلة؟ ربما، إنما الأرجح أنه لايهتم أو لايملك إحساس للتلذذ بطعامه طالما أخمد ذلك القوت البسيط جوعه.

ثم حدث أنه في أمسية صيفية مضت، جلست أنتظر قدوم أكلتي المفضلة، والتفتّ لأراقب طابور النمل يحمل طعامه ... ولكن لدهشتي، لم أرى في تلك الليلة نملة واحدة ... فقد رحلت طوابير النمل كلها من تحت الحائط وأختفت!

سألت الجرسون عما حدث للنمل، والشكوك تراودني بأن للمطعم يد في قضية الإختفاء، فأجابني بعفوية وبدون أدنى إكتراث، أنهم ... ماتوا!
ماتوا؟ ... شلون ماتو؟ سألته باستغراب. (شلون = كيف)
فرد بثقة وتأكيد وكأنما ليطمئني: دبحناهم، رشينا عليهم مبيد للحشرات، وكبيناه في غارهم كمان، عشان لايدخلوا المطعم ولايأرصوا الزباين.

وهكذا، تم إبادة مملكة كاملة للنمل خلال بضعة دقائق!

إحساسي ليس بتلك الرقة، بحيث أتكدر لإبادة مجموعة من الحشرات، ولكني شعرت بأن طعم الكنافة قد فقد لذته السابقة بعد إختفاء طوابير النمل، رغم أنني لازلت أذهب إلى نفس المطعم، ربما الآن بحكم العادة. وإبادة مملكة النمل تلك أثارت برأسي التفكير بالإبادة الحتمية المقبلة لمملكة حيوانية أكبر ... بكثير:

المملكة الحيوانية العظمى التي ننتمي إليها، نحن البشر. ماهو مصيرنا؟ وكيف سيتم إبادتنا؟

إبادة الحياة حتمية لامفر منها، وماأعنيه هنا لايتعلق بقرارات واعية سماوية، تسبق صيحة قيامية تأخذنا فإذا نحن جميعاً محضرون، أو نفخة في الصور فإذا نحن من الأجداث منسلون، فهذه كلها كوارث دماغية، نتاج خيال بشر الجاهلية. بل ماأعنيه هو الكوارث الكونية الطبيعية التي ستحل بالكرة الأرضية حتماً في المستقبل، وقد ذكرت بعضها في بوست سابق تجدوه هـنـا، يتناول الأحداث المتوقعة على المدى الأطول، وسوف أضيف إليها في هذا البوست الأحداث الأقرب زمنياً، وهي:

أن الشمس، صديقتنا الحالية، التي تمدنا بالدفئ والطاقة، سوف يزداد كرمها وعطائها الحراري ويتعاظم مع تقدم سنها حتى يصل إلى درجة من البذخ والسخاء، ربما لايكفي لقتل الحياة بشدته في مراحله الأولية، إنما سيكفي لأن يسارع دورة إنتاج ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، وبالتالي يخفف تركيزه إلى درجة قاتلة للنباتات التي تحتاجه للبقاء والتكاثر. وتخفيف كثافة النباتات على سطح الأرض سوف يؤدي إلى تخفيف نسبة الأكسجين في الجو، مما سوف يؤدي بدوره إلى إختناق الكائنات الحية التي تستخدمه في عملية التنفس.

هذه الكارثة سوف تسبق سلسلة الكوارث القادمة بعدها والتي ذكرتها في البوست السابق المشار إليه أعلاه.

إنما لاداعي للذعر والهلع بعد، والمسارعة في شراء أسطوانات الأكسجين غداً، فهذا الحدث لن يقع إلاّ بعد مرور 500 مليون سنة ... على الأقل، نكون قد أغمضنا عيوننا وتلحفنا بالتراب قبله بملايين السنين، لكي لانرى هذا المصير المهول.

إنما كتبت هذا البوست كخاطرة مرت ببالي وأنا أستمتع بأكلتي الجبنية المفضلة الليلة الماضية لأول مرة بعد مرور فترة طويلة غابت عني فيها.
* * * * * * * * * *

هناك 4 تعليقات:

happygenx يقول...

على سيرة المملكة الحيوانية و نهاية الكون ..سؤال ؟

كنافتك ناعمة و لا خشنة ؟نابلسية و لا تقليد "صيني ههه" ؟

عبدالعزيز يقول...

مرحبا اخي بصيص وخاطره جميله جدا نعم انا احب ان اراقب كل شي فيه حياة وكنت موووولع بالنمل جدا الي درجة اني شتريت كتاب من ٣٦٠ صفحة يتكلم عن مملكة النمل ورايت العجب العجابه عن هذه الحشر الصغيره والقديمه جدا جدا
اخي بصيص انا من اشد المعجبين في مدونتك وادخلها كل يوم واقرا جديدك وتعليقات الاخوان المشاركين ودائما اريد ان اشارك معكم ولكن انشغل او اتكاسل او يخونني التعبير لقد شعرت من كتابتك هذه القصه انك تمر في حالات تامل مثل التي تاتيني كل يووووم نعم الحياة غريبه عجيبه غريبه بنشاتها وكيف ستختم ماهو سر الحياة!!!!!!! كيف اتينا الي اين نحن ذاهبون هل للحياة معنى؟؟؟؟؟؟
كنت مومن فيما مضى وكنت اربط كل شي في الايمان وصراحه كنت مرتاح عندما كنت مومن لاني لم اكن اتعب تفكيري كثيرا وكل شي يحيرني كنت اطنش واقول حكمة الله
اما الان وعندما عرفت ان الاديان مجرد افكار بشريه اصبحت اتامل كثيرا في كل شي اعجب من الانسان وتناقضاته اعجب من كل شي حتى نفسي
اخي بصيص انا اتفق معك في خرافات الاديان وفكرنا واحد نحن لانصدق اي كلام الا الكلام الذي تدعمه الادله.
ولكن انا في حيره من امري وكل من يقرا كلامي الان يلاحظ انني مشوش لا اعرف هل نحن الذين انكرنا الاديان عباقره ام الناس المومنين مقفلين انا ارى مومنين وهم اذكى مني بكثير وكثيرجدا ولكن ما الذي ميزني انا عنهم وما الذي يجعلهم رغم ذكائهم الخراق يغفلون عن الاخطاء الواضحه والواضحه جدا في الاديان ماهو السر؟؟؟؟؟؟
شكرا لافصاح المجال لي بالكتابه واعتذر عن عدم الترتيب في الكتابه انا بالدوام وسهران ولكن حادثة النمل هذه هيضتني وكتبت شكرا لك اخي الغالي

بصيص يقول...

كنافتي ياعزيزي happygenx نابلسية أصلية ناعمة، ولايبدو أن الصينيين قد اكتشفوها بعد، وإلاّ سوف تجدها قد اكتسحت الأسواق.

مع خالص تحياتي

بصيص يقول...

عزيزي عبدالعزيز ،،

الرد على تعليقك يحتاج إلى موضوع كامل، ولذلك قررت نشر الجزء المعني منه لكي أتيح الفرصة لتفاعل باقي القراء الكرام معه.

ولك خالص تحياتي